الطريـق إلى القبّـة: رحلـة عـودة نائـب إلـى قريتـه ليحجـز تذكـرة الرّجـوع إلـى البرلمــان مـجدّدا (القصّة الكاملة)

parlaman

مشاهد من رحلة عودة نائب إلى قريته ليحجر تذكرة الرجوع إلى البرلمان مجددا..

مشهد 1

ليل طويل، رتيب. دقائق بطيئة خانقة. ثوانٍ.. أنفاس متعبة متقطعة. صمت رهيب. السيد النايب المحترم في حالة متقدمة من التوتر والقلق، عيناه جاحظتان. جفونه مشرعة. المساألة مصيرية.. عليه أن يعود إلى القرية.. إلى حضن انتخابي طواه النسيان.. سيعود اضطرارا.

يبتلعه ظلام الغرفة البهيم. يبحث عن النوم.. يغري جسده بنعومة الفراش الحريري الوتير. يتقلب., يتقلب. يقفز جالسا. يتسلل من تحت الغطاء الناعم. تتقلب زوجته نحو الجهة الأخرى من السرير. تجر الغطاء. تمتم بكلام غير مفهوم.. يتلمس طريقه في الظلام نحو الشرفة. يطل على الحديقة. يجيل النظر في الفضاء الناعس، في ظلال الأنوار الخافتة. يأخذ نفسا عميقا. يتلمس السكينة في العالم النائم. يظل العالم ساكنا. تدغدغه أحلام البسطاء.

مشهد 2

يعود السيد النايب إلى هواجسه. يتناهى إلى مسمعه شخير الزوجة العابث. تنتعش ذاكرته. تتراقص الصور أمام عينيه.. طلعة السيد رئيس الحزب المبجل .. صلعته اللماعة.. نظراته المتراقصة خلف نظارتين سميكتين..جسده النحيف القصير.. الغارق في الكرسي الأسود الوتير.. على مكتبه العريض ركام من طلبات التزكيات.. من حوله يتأبط رهبان الحزب ملفات بالية.. في المقابل جلست جوقة النواب البرلمانيين المحترمين..

تقف ذاكرة السيد النايب عند اللحظة الحاسمة. يتذكر شفتي أمينه العام. تنطبقان. تنفرجان. تلتقط كلماته المتطايرة مع لعابه الرشاش.. تتسلل إلى أذنيه المرهفتين:

– لقد منحتك التزكية لتترشح في قريتك الأصلية.. عليك أن تعود إلى القرية التي انتخبتك ..

– لا يمكن أن أعود سيدي الأمين العام..إن لي نفوذا في الحي الراقي الذي أسكنه.. ونجاح الحزب مضمون في دائرتي.

– أنا أدرى بمصلحة الحزب.. وكلامي لا ينبغي أن يراجع.

ينهي السيد الرئيس عباراته المقدسة. يطأطئ رهبان الحزب رؤوسهم موافقين.. يحني رأسه انصياعا. يحمل تزكيته.. ينسحب..

مشهد 3

يصحو السيد النايب من غفوته الاسترجاعية. يستجمع قواه العقلية. يقرر المغامرة. يغادر الفيلا الفخمة متشحا بالسواد.. بذلة سوداء.. نظارات سوداء.. يحمل حقيبة سوداء.. يركب سيارة سوداء رباعية الدفع.. يترك المدينة النائمة.. الزوجة النائمة.. يركب الطريق إلى القرية..

تتسلط عيناه على الطريق المعبدة. تسبقه ذاكرته نحو القرية النائية. تأتيه الصور من بعيد. تنط في رأسه المشغول أشباح شباب القرية.. زغاريد النسوة فرحة بفوزه الانتخابي الأخير. يتذكر سماسرته.. مدراء حملاته.. تتوارد إلى ذهنه خطاباته العصماء، وعوده، أكاذيبه، خداع الأوراق الزرقاء.

تتسابق الأسئلة في رأسه. ماذا عساه يقول بعد هذا الغياب الطويل؟ ماذا يقول للشباب الموعودين بفرص الشغل؟ هل سيعيد وعوده من جديد؟ من سيصدقه؟ هل سيجد حديقته الانتخابية كما تركها مفروشة بالانتظارات، بالأحلام والأماني، بأغاني التنمية المستديمة؟. من يضمن سلامته؟ من يمحو ذاكرة القرية المنسية؟ من يقنع الأهالي بصدق سريرته، بحسن نواياه، باستعداده الدائم لخدمة القرية وتنميتها؟ .. تتهاوى الأسئلة أمام عجلات السيارة .. السائرة نحو المجهول..

مشهد 4

يطل السيد النايب على القرية. يتسرب الخوف إلى دواخله. يتصور الأسوأ. يعيش مشهدا رهيبا. ينظر إلى أعلى الهضبة.. تتدحرج نحوه جحافل القرويين. يحملون سيوفا، هراوى، مناجل. يصرخون. يتوعدون. يهاجمون السيارة السوداء. يحاصرونها كالذباب. تمتد السواعد عبر النوافذ. تنتشل الجثة السمينة. تنهشها الأظافر الجائعة. يصيح السيد النايب. يصرخ. يتوسل. يستغيث. تتراجع الأظافر. يسود الصمت.

يتلمس السيد النايب جسده المكتنز. يتحسس وجهه. يسترجع أنفاسه. مجرد كابوس مزعج. هواجس الخوف من المجهول. كل شيء يقوي لديه الإحساس بالذنب.. الطرق المهملة.. الأزبال المتراكمة.. روائح الصرف الصحي تخنق الأجواء.. يدخل في منطق الدفاع.. يبرر .. يتساءل.. ماذا جنيت؟ ما ذنبي إن أنا نسيت القرية؟ كل النواب المحترمين ينسون.. يذهبون ولا يعودون.. تستهويهم الأضواء .. تغريهم الألقاب.. ينغمسون في الملذات.. لا وقت لديهم للعودة.. يصدق تبريره.. يواصل الطريق..

مشهد 5

يتردد السيد النايب مجددا.. يقرر أن يعود من حيث أتي.. أن ينعم بما اكتنزه .. أن يغادر القبة نحو فضاءات أكثر رحابة.. يطرد مخاوفه.. تستمر السيارة السوداء في السير نحو القرية.. تتحدى الحفر والأحجار. يطلق بوقها عاليا. تطل الرؤوس من الأكواخ، من المقهى العتيق، من نوافذ البيوت الساقطة. تتابع العيون السيارة الغريبة.. تتحرك الأجساد الخائرة نحوها. يتفرس الأشباح وجه السائق. يدققون النظرفي ملامحه..  يتبادلون النظرات.. الإشارات والإيماءات.. يفحصون أكثر فأكثر.. الملامح مالوفة.. قديمة.. لكن أين غابت علامات البؤس.. تجاعيد الحرمان.. لفحات الشمس.. آثار الأوساخ والغبار.. كيف أصبح الوجه مكتنزا.. كيف أصبحت الأسنان ناصعة البياض؟ من أين هذا الجاه.. هذه السيارة الفخمة؟.. تتحول الأسئلة الصامتة همسات.. تصير  الهمسات والتعليقات بين الآذان.. تصبح صراخا.. يرتفع صوت بدون جسد:

– واش ما عرفتوهش؟

يتلفت الجميع نحو مصدر الصوت.. امرأة بدون ملامح.. ما فوق الستين.. جسد آخذ في التقوس.. ثياب رثة ذكورية.. يصرخ الجميع متسائلين:

– من يكون؟

تتوقف السيارة.. يترجل السيد النايب.. تتسلط عليه العيون.. تتجه نحوه الأجساد.. تضيع العجوز في الزحام..

مشهد 6 

يقترب السيد النايب من أهل القرية.. يجيل النظر في الحشد المتحلق حوله..يتأمل الوجوه.. يتذكر بعضها. وجوه تقفز إلى ذاكرته في صورها القديمة. يقارن مع الصور الجديدة.. يشعر بالفزع.. أشباح مغبرة. وجوه خرساء. أجساد مترهلة.. عيون منكسرة.. بقايا بشر..

يتحرك.. يفسحون له الطريق.. يصعد فوق سور متهدم.. يحرك لسانه المشحوذ.. يخاطبهم:

” أعرف أنكم تعرفونني.. أنكم ناقمون علي.. أقرأ في عيونكم غضبا مختنقا.. حسدا من النعم التي أرفل فيها.. كنت أتمنى أن تستقبلوني بالزغاريد والهتافات.. أن تحتفلوا بعودتي.. أن تفخروا بالبطل الذي صنعتموه.. أنتم السبب إن أنا نسيتكم.. رميتموني في عالم غريب.. في متاهة من النعم والملذات.. منحتموني السلطة والجاه.. فكيف لي أن أتذكركم؟.. أنتم المسؤولون ..” يغمد لسانه لحظة.. يأخذ نفسا.. يستأنف: ” ثم ما هذه الوضعية المزرية البئيسة التي تعيشون فيها.. ما هذه الفظاعة؟ كيف رضيتم بالعيش في الإهمال والحرمان؟ كيف قبلتم الإقصاء والتهميش؟ لا تنظروا إلى باستغراب.. أنتم المسؤولون..”.. ينهي السيد النايب خطبته.. تستولي البلاهة على العقول.. تتحرك الأشباح نحو جحورها..

مشهد 7

يبرئ السيد النايب نفسه.. يبرر سلوكه.. يضع سكان القرية في قفص الاتهام.. يشعر بالزهو.. ينتشي بقدرته الفائقة على قلب الحقائق.. على غسل الأدمغة.. يقرر الاستمرار في أطروحته إلى نهايتها..

يركب سيارته السوداء.. يشعل السيجار الكوبي.. تنطلق السيارة.. تسير عبر الأزقة الضيقة الموحلة.. تتبعها عيون النسوة من ثقب المباني المتهاكة.. يهرول خلفها الأطفال هاتفين منبهرين.. يستعرض السيد النايب القرية المحطمة من خلف الزجاج الأسود.. الأزبال متراكمة.. الذباب يعلو الوجوه.. رائحة المجاري تزكم الأنوف.. الدور آيلة للسقوط.. صراع النسوة حول السقاية لجلب الماء.. قرية منسية يعلوها الغبار.. يهددها الدمار..

يتألم السيد النايب.. تهاجمه ذكريات الانتخابات الماضية.. يسترجع حماسه.. رغبته في إنقاذ قريته.. حلمه بالنهوض بها.. يستعيد نشاطه اليومي في إقناع أهل القرية.. يتذكر أنه كان صادقا في شعاراته.. مؤمنا بوعوده.. شرسا في مجادلاته..ماذا حدث؟ ما الذي غيره؟ تأخذ الذاكرة طريقها نحو الرباط..

مشهد 8

يحاول السيد النايب إسكات ضميره.. خنقه.. إرجاعه إلى سباته العميق.. يبحث عن مبررات لتحوله الكبير.. يعود إلى المنطلق.. يستعرض بداياته الأولى تحت قبة البرلمان.. يتذكر الجلسة الافتتاحية.. يجيل نظراته المندهشة في المدرجات المكتظة بالنوارس البيضاء.. يستغرب كيف تلبس النسوة جلابيب بدون أقباب.. يستغرب من نعومة المقعد الوتير.. يتتبع مراسيم الافتتاح بابتسامة بلهاء.. يتسابق على التهام الحلويات العجيبة.. تسحره لذة المذاق.. ينتشي.. يتولد لديه الإحساس أنه نائب.. محترم..

تنطلق الدورة العادية.. يبدأ السباق داخل القبة وخارجها، في الصالونات والمطاعم الفخمة .. حول المواقع.. الرئاسة، نواب الرئيس، رؤساء اللجان.. رؤساء الفرق والشعب.. يصبح عضوا في فريق برلماني.. من الأغلبية.. يتسجل في إحدى اللجان.. يأخذ شعوره بالذات يتضخم..تأخذ نظرته إلى ذاته في التغير.. يكتشف أنه مهم.. يبدأ في إدراك معنى أن يكون نائبا برلمانيا.. يكتشف أنه صوت.. صوت مهم.. صوت يختزل كل أصوات القرية.. صوت يمكنه من التفاوض.. من المساومة على المواقع.. من الانخراط في الصفقات السياسية.. من الاستفادة من الامتيازات القانونية.. يرفض أن يظل أرنب سباق..

يدخل السباق..يحرص السيد النايب على حضور جلسات الأسئلة الشفوية.. يسأل.. يعقب بين الحين والحين.. تستهويه الكاميرات وعدسات المصورين.. يحضر الجلسات العامة.. يشارك في أشغال اللجان.. تحلو له اللعبة.. يستطعم دور البرلماني.. يستسهله.. عمل سهل.. دور بسيط.. لا يتطلب مهارات كبيرة.. المهارة الأساس هي رفع اليد والتصفيق.. يضحك من الأعماق.. يفهم اللعبة.. تنفتح أمامه الكثير من الآفاق..

يكبر طموح السيد النايب..   تتقوى لديه الحاجة إلى الترقي الاجتماعي.. إلى تسلق المواقع.. إلى الانتحار الطبقي.. إلى الانسلاخ من جذوره.. من ماضيه.. من أحلامه القديمة..من قريته البئيسة.. تبدأ رحلة النسيان.

مشهد 9

يلبس السيد النايب مسوح الضحية.. يعجبه هذا الدور.. يقتنع أنه وجد الحل السحري.. وجد الطريق نحو قلوب أهل القرية.. سيعزف على وتر العاطفة.. سيحرك فيهم حميتهم.. يدفعهم إلى حمايته.. إلى دعمه.. تقوية موقفه.. تعزيز مكانته في القرى المجاورة.. تتضح استراتيجيته الخطابية.. يقتنع بفاعليتها ونجاعتها.. يبدو له النجاح .. يلوح له الكرسي الوتير في الأفق البعيد.. تبتسم له شوارع العاصمة.. ترحب بعودته بالطبول والزغاريد.. يضحك.. يفرح.. يكبر حماسه.. يستعد إلى تحويل الحلم واقعا.. إلى استعادة حقه المشروع..

يقرر المواجهة..  يشحذ لسانه..يمدده ..يسطحه..يستعد لخطابات عصماء..يتصور نفسه معتليا منصة الخطابة.. يخطب في حشد عريض من الأنصار.. يتخيل هتافاتهم وأناشيدهم.. يصيح بأعلى صوته داخل سيارته السوداء.

– إنني عائد إليك أيتها القبة السعيدة.. راجع إليك يا مقعدي الوتير..

ينتبه إلى صراخه.. يستفيق من حلمه.. تساوره الشكوك مجددا.. يتزعزع اقتناعه بقدراته الخطابية.. يشك في جدوى الخطابات الجماهيرية.. في التجمهرات العمومية.. في التدخلات التلفزية.. في كل مؤثتات الحملات الانتخابية.. يفقد ثقته في آليته الخطابية.. يقرر اللجوء إلى خطة بديلة..يترجل البطل الأسود.. من سيارته السوداء.. يحمل حقيبته السوداء.. يتجه نحو المقهي القريب..

مشهد 10

يجتاز السيد النايب عتبة المقهى.. يزيل نظارته السوداء.. تحيط ظلال التعب بالجفون.. يجيل النظر في زوايا وأركان المكان.. كراس متآكلة.. تحمل أجسادا منهكة.. يضع بسمة بلهاء على ملامحه الباردة.. يتابعه الزبناء.. تستنشق أنوفهم دخان السيجار الكوبي.. تتسمر أعينهم على الحقيقبة السوداء المكتنزة.. تحاول اختراقها.. استكناه دواخلها.. يتجه السيد النايب نحو طاولة في عمق المقهى.. يهرول النادل نحوه.. يقدم إليه كرسيا خشبيا.. كرسيا يستطيع تحمل الجسد البدين..

يجلس السيد النايب.. يتأكد من صلابة الكرسي.. يضع الحقيبة أمامه.. يطلب كأس شاي منعنع.. عادة قديمة منسية. يأمر النادل بإرواء عطش الزبناء.. يململون رؤوسهم عرفانا.. ينهض أحد الزبناء.. يبدو أكثر حيوية.. يتجه نحو السيد النايب.. يصافحه بحرارة.. يتذكر النايب ملامحه.. يطلب منه الجلوس..

– أهلا بعودتك إلى أهلك وذويك.. قريتك في شوق كبير إليك.. الكل فرحون بعودتك..

– شوقي أكبر وحنيني يفوق كل الحدود.. اللوم على الانشغالات البرلمانية والحزبية والدبلوماسية الموازية..

– نحن فخورون أن لك مكانا هناك.. بين الكبار..

ينظر الزبون إلى المحفظة.. يبتسم.. يواصل حديثه:

– نحن مستعدون لإرجاعك إلى القبة من جديد.. القرية كلها بين يديك.. أمرك..

ينهض السيد النايب.. يمسك حقيبته.. يرمي ورقة زرقاء إلى النادل.. يطلب من الزبون مرافقته.. تنطلق السيارة السوداء..

مشهد 11

تقف السيارة السوداء وسط الحقول .. الجرداء.. بعيدا عن تلصصات الفضوليين.. يترجل السيد النايب والرجل النشيط..يتركان الحقيبة السوداء في مكانها.. يتساءل:

– لم أفهم قصدك؟ من يريد أن يضع القرية بين يدي؟

– أنا.. أعني أنا وأصدقائي المتنفذين في هذه البقاع.

– هل أعرفهم؟

– معرفتهم غير مفيدة.. إنهم يفضلون التحرك في الظلام، اللعب خلف الكواليس..

– إنك تتحدث بالألغاز..

– أجبني.. هل ترغب في النجاح والعودة إلى قبة البرلمان؟ أليس هذا ما تريد؟

يطأطئ السيد النايب رأسه.. تنغرس عيناه في التربة القاحلة.. يحس أنه محاصر.. أنه محاط بالأشباح.. أن أنفاسه معدودة.. لا يستطيع أن يجيب بالنفي.. أن ينكر عشقه للنوم في القبة المكيفة..:

– أجل.. تلك رغبتي..لكن ليس من أجلي أنا.. بل من اجل قريتي هذه المرة.. أريد العودة لأنقذها من الضياع.. لأرقى بها إلى مصاف الحواضر المتقدمة.. حان الوقت لأرد لكم الجميل.. لأفي بوعودي القديمة..

– أكيد أنك تحمل في حقيبتك.. السوداء.. برامج الإنقاذ.. مشاريع النماء..أليس كذلك؟

– أي والله.. أقسم بشرفي..

– وطبعا ستقنع المستثمرين.. ستجلب الخبراء .. التمويلات الضرورية..

– أجل.. قريتي في حاجة إلى الكثير.. إلى ثانوية.. إلى مستشفى إقليمي.. إلى الربط بالماء والكهرباء. إلى تطوير البنية التحتية.. إلى الارتقاء بالعنصر البشري.

– يستمر السيد النايب في هذيانه.. يردد ركام عبارات ومفاهيم الدجالين.. يتفحص آثر الخطاب في عيني الآخر.. يضحك الآخر من الأعماق.. يتجه نحو السيارة.. السوداء..

مشهد 12

يصعد السيد النايب إلى السيارة.. يترك الباب مفتوحا.. يشعل سيجاره المنطفئ.. يقترب منه الشخص الآخر.. يستمر في ضحكة هستيرية طويلة.. ينزعج النايب.. يتملك غيظه.. يبتسم.. تنفرج أساريره مرغمة..يطلق العنان لضحكة خفيفة.. يتوقف الآخر عن الضحك فجأة.. تتجهم ملامحه.. يصرخ في وجه النايب..

– لن يصدق أحد كلامك.. لا لأنك كاذب.. بل لأنك عاجز.. عاجز عن مقاومة إغراءات القبة.. عاجز عن الاعتراف بخذلانك لأهلك وذويك.. عاجز عن تكذيب ادعاءاتك..

يساير النايب محاوره في هجومه.. يحاول استيعابه.. امتصاص غضبه.. يردد عليه ما أقنع به نفسه سابقا:

– لنقل إني كنت عاجزا.. تلك حالة مضت.. كنت فيها ضحية الانبهار.. الإغراءات اللامتناهية.. إنك لم تجرب عالم القبة الساحر.. أنا الآن شخص آخر.. أحمل بالفعل مشاريع تنموية حقيقية.. برامج حزبي واقعية.. قابلة للإنجاز.. التمويل في المتناول..

– أما تزال تتغابى؟ أم أنك تستحمرني؟ .. منافسوك يرددون نفس الأسطوانة المشروخة..

– منافسيّ؟ من ينافسني؟ من له الحق في منافستي؟ إنها قريتي..

– لست وحدك في السباق..للأسف.. هناك أحزاب أخرى.. حزب العفاريت.. حزب التماسيح.. حزب الأشباح.. حزب الوطاوط.. وأسماء الحيوانات الوديعة والمفترسة، والطبيعة الرومانسي.. الكل يغني نفس الأغنية..

يستغرب السيد النايب.. يفغر فاه.. يبدو كالتلميذ الخامل أمام محاوره.. يصدق.. لا يصدق.. يفقد الثقة في خططه.. في استراتيجياته.. في خطابات وأوراق حزبه.. يحاول مرة أخرى..

– لا يهم التشابه في الخطاب.. المهم أن يكون نابعا من القلب..

– أتعني جودة الأداء؟.. جودة التمثيل؟..لن يصدق أحد خطابا مستوردا.. إنشاء عقيما..

تسد كل الأبواب في وجه السيد النايب.. يتساءل بيأس:

– ما العمل إذن؟

يضحك المحاور.. تنتعش آمال السيد النايب..

المشهد 13

يقترب السيد النايب من الآخر.. يقر بهزيمته ..يتوسل بعينين ذابلتين.. يلح في خشوع:

– قل من فضلك.. ما الحل؟ هل من سبيل سالك نحو القبة؟ لقد فشلت كل خططي.

– ألا تلاحظ أنك تحاول أن تأخذ كل شيء بالمجان؟

يلتقط النايب الإشارة.. يخرج الحقيبة.. يفتحها.. يستخرج حزمة من الأوراق الزرقاء.. يشتري الاستشارة.. يبتسم الآخر.. يمس الأوراق الناعمة.. يشم رائحتها.. يتأمل لونها الجميل.. يرفع رأسه نحو النايب.. يعلق:

– هنيئا.. ها أنت تخطو أول خطواتك نحو .. القبة..

– هذا هو الحل إذن؟

– إنها الزرقالاف

ترعد سماء القرية.. تبرق.. تهب عاصفة شديدة من الأصوات الحماسية:

– زرقالاف .. لاف لاف.. لاف .ففف

يرتعش جسد السيد النايب.. يتحسس حقيبته.. تتراءى له القبة من بعيد متلألئة.. غامزة .. مشجعة.. يتردد

– تعني شراء أصوات وذمم الناخبين.؟ لا. أمر يناقض مبادئي.. لن أهين كرامتهم..

– أيها السيد.. أيها النايب.. لا كرامة مع الجوع.. مع البؤس والحرمان.. دعك من كلام قنوات القطب العمومي.. الكرامة هي الزرقالاف.. غذاء أسبوع كامل.. وبعدها الجوع.. لخمس سنين.. في انتظار انتخابات قادمة.. كم نتمنى أن تكون الانتخابات كل سنة.. كل شهر.. كل أسبوع.. هكذا نضمن كرامتنا..

يقتنع السيد النايب.. يرغم على الاقتناع.. ليس أمامه إلا الانصياع.. فتح الحقيبة.. الخطة البديلة..

مشهد 14

يفتح السيد النايب الحقيبة السوداء.. يشرعها.. تتراقص الرزم الزرقاء.. ينبهر المستشار.. يسيل لعابه.. تلمع عيناه.. يراقبه النايب.. يحتاط من حماسه المفرط.. يغلق الحقيبة بحركة لا إرادية.. يضعها في صندوق السيارة.. يبادره المستشار:

– أرى أنك مستعد بما فيه الكفاية..

– كل شيء ممكن.. كل شيء يهون.. إلا أن أحرم من المقعد الوتير..

– إذن نويت الهجوم.. نويت التبضع.. اقتحام سوق الأصوات..

– لا مناص من ذلك.. لدي ما يكفي من الزقاوات.. بطاقاتي البنكية.. دفاتر شيكاتي.. هههه

– لن تفيدك إلا الزوقاوات..كخ كخ كخ.. لكن هل خبرت السوق؟ .. السوق متقلب.. خطير.. السوق شطارة ودراسة.. مراوغات.. فخاخ منصوبة.. مقالب وأوحال.. هل تعرف البضاعة التي تريد؟

– طبعا.. الحصول على أغلبية الأصوات.. إن لم تكن كلها..

– كيف أيها الطماع الجشع؟

– سأجول في الأزقة.. أدق على البيوت.. أتعامل مع المواطنين.. أشرح برامجي ونواياي.. ملفوفة في أغلفة زرقاء..

– وستبادلهم طبعا فاكهة الهندي.. وكؤوس الشاي..؟

– هكذا يفعلون.. هكذا أتمكن من التأثير والإقناع..

– خطة ساذجة.. جاهلة بطبيعة السوق، بتنظيمه، بتنوع بضاعته.. ستخسر كل حسناواتك الزرقاوات.. وتعود إلى الرباط مهزوما مكسور الوجدان..

يبتلع السيد النايب ريقه.. تنط في رأسه نهاية قارئة الفنجان.. يخاف أن يطارد خيط دخان.. يستسلم لحصار المستشار.. يصغي السمع متلهفا..طائعا..

– تريد خطة فعالة؟.. تريد الخروج من السوق سالما غانما؟.. أريد عشرة في المائة من العمليات التسويقية عمولة وأتعابا..

يدير السيد النايب الطلب في رأسه.. يحاور .. يفاوض.. يخفض النسبة قليلا.. يتفق.. ينصت إلى الخطة.. تدخل الخطة حيز التطبيق..

مشهد 15

يصبغ المقهى العتيق بالأزرق.. تتغير ملامحه.. تخزن موائده وكراسيه المهترئة.. تزين جدرانه بلوحات مستطيلة.. زرقاء.. الزرقالاف شعار المرحلة.. يتبوأ السيد النايب مقعدا وتيرا في عمق المقهى.. يقف خلفه رجاله الزرق.. تتحرك ماكينة الأحلام.. نافورة الأوهام.

تركب الأرقام.. ترن الهواتف.. يشيع الخبر في أرجاء السوق.. يتقاطر تجار الأصوات نحو المقهى الأزرق.. يأتي تجار الأصوات بالتقسيط.. أصوات قليلة.. رخيصة.. حائرة.. متناثرة هنا وهناك..نساء في الغالب.. يأتي تجار الأصوات بالحملة.. منتفخين .. واثقين من جودة بضاعتهم..يتقدم أحدهم نحو السيد النايب..

– عندي خمسمائة صوت .. مضمونة

– كم تطلب؟

– ورقتان زرقاوان للصوت.

– ورقة ونصف.. والدفع بعد التصويت

يتم الاتفاق.. تتوالى الصفقات..يرتفع سهم الأصوات.. يحصي المستشار ثلاثة آلاف صوت.. نسبة مريحة.. لكنها غير مضمونة..

يلجأ السيد النايب وفريقه إلى تعزيز وتحصين المكتسبات.. يوجه تركيزه نحو أرانب السباق.. مرشحي الأحزاب الأخرى..  تصل آلة الإغراء سرعتها القصوى.. يسقط الأرنب الأول..

– سأنسحب من السباق.. وأتنازل لك على حصتي من السوق..

يتتابع سقوط الأرانب..يسيطر اللون الأزرق على الأجواء.. تحلق أحلام السيد النايب بعيدا.. نحو القبة المصونة..

مشهد 16

يأتي اليوم الموعود.. تدق ساعة الحسم.. يفقد المقهى زرقته.. تعود كراسيه، مقاعده المهترئة إلى الظهور.. تمر الساعات.. الثامنة، التاسعة.. تتوالى الدقائق.. الثواني.. اللحظات بطيئة..  لا تزال القرية نائمة.. لا تزال الأبواب مغلقة.. لا حركة في القرية.. يلتفت حوله.. يمسح الأرض بعينين قلقتين.. الأرض مليئة بالأزبال، صوره متراكمة في كل مكان.. تتحرك السيارة السوداء بين الأزقة.. بين الدروب الموحلة.. يصل إلى مقر التصويت.. يصل إلى مدرسة بدون سور، بدون أبواب.. يطوف بالمكاتب.. الصمت مطبق.. المعازل مغلقة الصناديق الزجاجية فارغة.. المشرفون أجساد هامدة.. بدون حراك.. لا يفهم.. لا يصدق ما يرى.. يكاد رأسه ينفجر..تتراكم في رأسه المتعب سيول من الاسئلة.. أين ذهبت تجار الأصوات؟ أين تبخر رجاله الزرق؟ أين أرانب السباق؟ هل ضاعت ثروته الزرقاء؟ هل مات أهل القرية جميعهم؟ هل قاطعوا الانتخابات؟ هل هذا معقول..

تمر الساعات بطيئة..يستعد النهار للانصراف.. يكبر يأس السيد النايب.. يستولي عليه الغضب.. الإحساس بالشماتة.. تحمر عيناه.. تخيم على سماء القرية سحابة سوداء.. ترعد.. تبرق..تهب ريح عاصفة.. تتضاعف سرعتها إلى أقصى الحدود.. يقتلع ما تبقى من أشجار.. يفيض النهر النائم.. يرتفع هديره.. يجرف المدرسة العارية.. الصناديق الزجاجية.. تنجرف القرية بكاملها.. تنجرف السيارة السوداء.. تكبر العاصفة.. يتجبر النهر.. يكتسح السفوح والوهاد.. القرى والمدن.. تقتلع القبة من أسوارها.. تهب الخفافيش.. تأخذ القبة بعيدا..

يصيح السيد النايب.. تنبت له أجنحة.. يطير نحو القبة.. يصارع الخفافيش.. يسقط صريعا.. يئن من الألم.. تسمع زوجته أنينه.. توقظه من الكابوس المزعج.. الفظيع.. يسترجع أنفاسه.. يتلمس زوجته.. فراشه الناعم..يسترخي.. يغادر الفراش.. يطل من الشرفة.. تبدو له القبة.. بيضاء ناصعة..يحييها.. يعدها بالرجوع.. يبتسم في أعماقه للمقعد الوتير.

بقلم: محمد طروس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*