تربية و تعليم

التربية على الإبداع و نبذ التعصبات المتأصلة

49801

ذ.رضوان المسكيني “نهى بريس”

نحن أبناء الإنسان، ألسنا سواسية كأسنان المشط؟ هل نعرف أننا خلقنا من تراب واحد فقط لئلا يفتخر أحدنا على أحد؟ لماذا لا نفكر كل حين، في خلق أنفسنا ؟ ألا ينبغي كما خلقنا من شيء واحد أن نكون كنفس واحدة؟ نحن أبناء الإنسان لماذا لا نمشي على رجل واحدة ؟ لماذا لا نأكل من فم واحد ونسكن أرضا واحدة ؟
هي نفس الأسئلة التي تراودني دائما بل تراودنا جميعا ،وعديدة هي بالطبع التعصبات التي كانت ولازالت تحتل قمة الصدارة في هدم الحضارة بجميع أشكالها ، لكن السؤال الذي قد يراودنا مرة أخرى كيف نكشف جذور هذه الأوهام المسيطرة على المجتمع والناخرة للحضارة ؟ ونحن نقصد بالأوهام – المحاذير – التي كلما زاد عددها تخلف المجتمع لأن التخلف كما يُعزيه البعض إلى التكنولوجية في واقعنا، بل على العكس فهو تخلف حضاري وهذه المحرمات (المحاذير) لا تعوق الفكر بل تقتله وبالذات في مجال الدين والسياسة .
وهذا ما جعل الفكر الفلسفي فكرا ناقدا يطرح في المقام الأول قضية الجذور في أية مشكلة حتى يمكن الكشف عن مدى الوهم الكامن في هذه الجذور ، والملاحظ في مجتمعنا خصوصا في المجتمع العربي وجود حساسية اتجاه الفكر الناقد كما حدث مع “طه حسين” و”علي عبد الرزاق” و”قاسم أمين” ، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى تقبل المناخ الموجود فيه للفكر الناقد في أي مجال سواء كان سياسيا أو فكريا أو اقتصاديا أو حتى رياضيا.
تكمن وراء ظاهرة التعصب عوامل كثيرة، ففي أعماق كل منا يوجد استعداد كامن لهذه الظاهرة تنبهه أو تنميه عوامل متعددة، (ابستمولوجية أو نفسية أو اجتماعية أو سياسية) قد تتداخل وتشكل ظاهرة التعصب، فالابستومولوجيا تلعب دورا في تشكل هذه الظاهرة، عند ما يغيب التفكير العلمي ويسود في المجتمع التفكير الخرافي أو الأسطوري، وعند عدم معرفة الشخص بآليات تحري الحقيقة واعتماده على مصادر معرفية ضعيفة، معتقدا أنها تقوده إلى معرفة مطلقة، ومن عوامله النفسية: الذهان، والإحباط وجهل الفرد حدود إمكانياته، والشعور بالعجز ، والشعور بالنقص، والفشل المستمر.
التعصبات متنوعة منها (الديني أو الطائفي) و(التعصب العرقي أو القومي أو القبلي ) و(التعصب للنوع الاجتماعي) و( التعصب الرياضي )، إن التصميم على التمسك بالمحرمات معناه التصميم على اغتيال العقل الناقد وهو أساس الإبداع ، فإذا اغتلنا العقل الناقد اغتلنا الإبداع واغتلنا التطور وأصبحنا خارج مسار الحضارة الإنسانية، فنحتمي بالأوهام التي تكون سببا في ابتعادنا عن الحقيقة كأول مبدأ عالمي لرفاء الجنس البشري .
فماهو التعصب (1) ؟ ماهي أرضية التعصب الخصبة (2) ؟ هل التربية على الإبداع تساهم في نبذ التعصبات (3)

1- تعريف التعصب:

تعريف التعصب لغة:
قال ابن منظور:”التعصب:من العصبية ، والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة أهل عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل:تعصبوا..
تعريف التعصب اصطلاحا:يمكن تعريف التعصب بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدد فيرى نفسه دائما على حق ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان.
إنه مرض اجتماعي يولد الكراهية والعداوة في العلاقات الاجتماعية والشخصية، حيث يمد التعصب صاحبه بأسباب وهمية تفوت عليه فرصة حل إشكالاته ومشاكله بطريقة واقعية.
ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقف متزمتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته.
وفي الواقع ليس كل تحمس لدين أو فكر أو مذهب أو طائفة أو جنس أو فريق يسمى تعصبا، إنما التعصب مظهر للإفراط والمبالغة في التحمس والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.
2- الأرضية الخصبة للتعصب ؟

أولا: التنشئة الاجتماعية:
ترى بعض المدارس السيكولوجية بأن التعصب بوصفه اتجاها سلبيا يتكون لدى الفرد من محصلة تجارب وخبرات وتفاعلات اجتماعية تزوده بها عملية التنشئة الاجتماعية، فمن البديهي أن الأطفال لا يولدون ولديهم كراهية لأفراد ينتمون إلى جماعات معينة، لكنهم يكتسبونها من آبائهم وأمهاتهم خلال عمليات التعلم الرئيسية التي يمرون بها. كما يساهم الإعلام إلى جانب الأسرة في تكريس اتجاه تعصبي ما.
إن ما سبق يؤدي حسب كثير من علماء النفس الاجتماعي إلى خلق قيم مشتركة تؤدي إلى تقوية التعصب، الذي سيتفاقم من خلال عملية الاستهواء الاجتماعي (ويقصد بها سرعة تصديق الفرد وتقبله للآراء والأفكار دون نقد أو مناقشة أو تمحيص، خاصة إذا كانت صادرة من منبر إعلامي، أو من شخصية معروفة، وتأخذ مصداقيتها من خلال التداول بين الأفراد).
وهكذا فالفرد يتشرب دون قصد أو نقد أو تحليل، العديد من الاتجاهات والآراء عن طريق القابلية للاستهواء، والتي تزيد حدة تأثيرها في المجتمعات كلما كان مستوى الوعي ناقصا ونسبة الأمية مرتفعة.
وتسهم القابلية للاستهواء من خلال التفاعل الاجتماعي لأعضاء المجتمع في تكوين نواتج اجتماعية، من ضمنها بعض الأفكار النمطية اتجاه الجماعات والموضوعات، فعندما يكون هناك تشجيع ثقافي واجتماعي للتعصب، سيصر كثير من الأفراد على اتخاذ الموقف المتعصب سلوكا لهم، كي يجاروا الآخرين.
ثانيا: العوائق الاقتصادية والسياسية :
ليست العوامل النفسية والاجتماعية وحدها مسببة لاستفحال ظاهرة التعصب فهنالك عوامل أخرى؛ اقتصادية وسياسية تزكي هذه الظاهرة، كالفقر والبطالة والحروب ونقص الأمن والأمان، وإذا حاولنا استقراء أسباب هذه الظاهرة لدى شعوب عالمنا العربي سنجد جميع هذه العوامل تكمن وراء ما تحمله نفوس الكثيرين من تعصب مصحوب بغضب وعدوانية، وأبرز هذه العوامل: العامل السياسي والعامل الاقتصادي.
الأمر الذي أدى إلى أشكال جديدة من التعصب ظهر بعد الثورات العربية وما أعقبها من تمزق وفوضى وتدمير لبنى الدول، حيث توفرت البيئة الخصبة لبروزها واستفحالها، فانعكست نتائجها على سلوك عدد غير قليل من أبناء عالمنا، تبدو في رفضهم قبول الآخر والتواصل والتقارب والحوار معه، واعتبارهم المختلف عنهم في الدين أو الفكر أو الطائفة أو المذهب عدوا ينبغي إلغاؤه.
في سنة 1986 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بأن تنمية المجتمع ليست تنمية اقتصادية بل تنمية ثقافية ومنذ ذلك الحين واليونسكو تعمل على التنمية الثقافية كشغل شاغل لها في جميع البلدان، لأن البنية الاجتماعية في جوهرها بنية ثقافية ، وتأسيسا على هذه الأخيرة تتكون البنيات الأخرى سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
وتعتبر العدالة الاجتماعية أحد الأوراش الكبرى التي يشتغل عليها المغرب حيث وجه جلالة الملك الأسبوع الماضي إلى المشاركين في أشغال المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية رسالة سامية يؤكد فيها جلالته “على أن هذا اليوم لا يجب أن يكون مجرد يوم احتفالي لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة قررت أن يكون هذا اليوم من كل سنة مناسبة للاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية ، بقدر ما يجب أن يشكل محطة سنوية يتجدد فيها التأمل والدراسة والتقويم للجهود التي يبذلها المغرب في مجال تحقيق العدالة الاجتماعية كورش من الأوراش الوطنية.”
إن التخلف الثقافي ساهم بشكل كبير في وجود أرضية خصبة تتكاثر في الأورام التعصبية وهي أوهام تسيطر على المتعصب لدرجة تم ابتكار ما يسمى الغزو الثقافي فقط لتدعيم فكرة التعصب كما أن للثقافة حدودا جغرافية وهي قمة الوهم بعينه، فكيف يستخدم لفظ “غزو” الذي لا يستخدم إلا في إطار الحدود الجغرافية.
في القرن الثامن عشر كان فريديرك الثاني يقاوم السلطة الدينية فأمر بترجمة كتب ابن رشد إلى جميع اللغات لتستخدم سياسيا لمقاومة السلطة الدينية ، واستمر هذا الصراع طويلا إلى أن انتصر التيار الرشدي وهنا تكمن أهمية العامل الثقافي حيث لم يقل فريدريك الثاني ولا حتى أوربا أن فلسفة ابن رشد بمثابة غزو ثقافي.
رغم أن المغرب اعتمد مؤخرا عدة مقاربات مهمة تتعلق بالجانب الأمني والاقتصادي والاجتماعي إلا أننا نلاحظ أن محاربة التعصبات المتأصلة فقط من اختصاص وزارة الداخلية في حين أن المدرسة والأسرة لها دور كبير في الحد من هذه الآفة الخطيرة ، فماهي الحلول الناجعة للحد من هذه الأورام الوهمية التي تكون سببا في انتشار الأحقاد بين أبناء الجنس الواحد والوطن الواحد؟

3- التربية على الإبداع :
التربية الإبداعية هي قدرة العقل الإنساني على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع استنادا على العقل الذي يكشف عن الأوهام في العلاقات القائمة ، حتى تتجاوز إلى علاقات جديدة ،وأن أي قانون علمي ليس إلا تعديلا أو إلغاء لعلاقات في قانون سابق نتيجة لاستخدام العقل وتغيير المناخ الثقافي ، أما من الناحية المنهجية فيتوجب أثناء تأليف الكتب المدرسية عدم تقديم النظريات العلمية كما هي ، بل ينبغي تقديمها كما هي في مسارها التاريخي حتى يكتشف التلميذ العملية الإبداعية التي تدور في ذهن العالم صاحب النظرية ومن ناحية أخرى تربية التلميذ على العملية الإبداعية.
إن تذوق عملية الإبداع لدى الطالب والتلميذ رهين بتقديم أسئلة تنصب على التذكر بنسبة قليلة ، وتنصب بالأغلب على عملية إبداعية ، مثلا مطالبته بجواب يستعين من خلاله بفصول من بداية الكتاب المدرسي إلى فصول نهاية الكتاب بحث يعطي علاقة جديدة لم تكن واضحة في مسار الكتب . وبالتالي لن تكون الإجابة كما هو حاصل اليوم في مسارنا التقليدي للتعليم وهو أن الأسئلة تأتي في إطار التذكر وأن هناك جوابا واحدا صحيحا الذي يؤدي إلى التعصب ، فتنمو لديه آليات امتلاك الحقيقة المطلقة التي لابديل عنها ، ولكن في إطار التربية على الإبداع يمكن أن تتعد الأجوبة ، أي تعدد الحقائق وبالتالي ينشأ الطفل في جو من التسامح العقلي .
إذا كانت التعصبات المتأصلة نابعة من ” المحاذير” التي خلفتها الثقافة بجميع أنواعها فمن الواجب البحث عن البديل الذي قد يساهم في جمع شؤوننا.
نحن لا نطالب بإلغاء الجذور لأن التراث كان في الأصل رؤية مستقبلية ، فحتى الأديان – كأساس ساهم في بناء الحضارة- في أساسها كانت رؤية مستقبلية ، فإذا أخدنا أي دين فهو” لم يكن” إنه رؤية مستقبلية ، فإذا تحدثنا عن العالم الآخر مثلا فالكل متشوق لمعرفته فالحديث مطروح كرؤية مستقبلية وليس كرؤية في الماضي .
هناك “وهم” يدور حول الماضي على أنه اللحظة الزمنية الأساسية في الزمان ، ولكن علينا أن نحلل الزمان الذي هو ثلاث لحظات : الماضي والحاضر والمستقبل وبمزيد من التحليل فإن الماضي عبارة عن مستقبل مضى ، والأساس في هذه اللحظات الثلاثة ليس الماضي بل المستقبل الذي يجمعنا إذا ما ابتعدنا عن “الدوجما طيقية” وهي من دوجما أي معتقد- بكسر القاف- ويعني امتلاك الحقيقة المطلقة وحيث أنه لا يوجد إلا مطلق واحد فلا بد من حدوث صراع بين المطلقات كما يحدث مع الأديان حاليا على الرغم من اشتراكها في سمات معينة إلا أنها تدخل بسبب هذه السمات في صراع سببه الوهم الذي اعترى بعض أتباعها.
إن التغلب على هذه الأوهام يتطلب منا مقدرة ومهارة تستغرق عشرات السنين وتتطلب نزاهة لا يمكن تقويضها ، وسلوكا قويما لا يضعف ووضوحا في الفكر لا يغشى ، وحبا للوطن لا يمكن التلاعب به .

زر الذهاب إلى الأعلى
مستجدات