إبداعات

تذكــرة سفـــــــــــر

myhc_14371

محسن الحسين //نهى بريس//

صدفة.. ودون تخطيط ،عزمت لأجمع حقيبتي الصغيرة التي تحمل جل اغراضي، وأرتبها ،اقفل السلسلة ببطئ لكي لا تتمزق بين يدي وتمر الرحلة مكشوفة الاغراض ومعرضة للانظار. على حافة الرصيف أنادي تاكسي، انزلق داخله بعفوية، وأكاد لا اقول له شيئا لو انه يعرف وجهتي، قلّما اردت فتح حديث مع صاحب التاكسي، لانه المواطن الوحيد في البلاد الذي يخول لنفسه سلطة المثقف، و الفقيه، والاستاذ، والعسكري المتقاعد، وحتى محلل للقضايا السياسية والرياضية ولاحوال الناس.

محطة القطار جملة عقيمة أُرسلها إليه، تحمل مخزون دلالي كافي لكي لا ادخل معه في حديث او نقاش، ادار المحرك، وشغل العداد، وانطلق بي في رحلة صامتة؛ وما بين ضوء احمر و اخر اسمع محرك السيارة يزيد من سرعته فتزداد رغبتي في الرحيل، تكلفتها الوقت، وثمن طاكسي، اسلمه المبلغ و استسلم لرصيف اخر، ببطئ امرر يدي على الباب و اقفلها و اقول كلمتي الاعتيادية نهارك سعيد سيدي.. يجيبني ردا على التحية ولك ايضا .

على شاشة الكترونية كبيرة مواعيد ومواقيت رحلات القطار، انظر لعقارب الساعة و موعد الرحلات القادمة، لاختار التي تناسبني ليس في الانطلاقة بل توقيت الوصول، حيث محنة المستقبل تطاردني و لو بساعات، هكذا هو الانسان دائما مشغول بالمرحلة المقبلة في حياته، و للقدر حصة كبرى في تغير مجرى الاحداث .

على شباك التذاكر استلقي قليلا، أنحني كثيرا، لكي تسمعني الشقراء التي تتزين و تتعطر وتجلس على كرسي، و حاجز زجاجي يفصل بيننا، ثقب معدودة كعدد كلمات لسؤال تطرحه بدون كلام.. أين الوجهة؟ اتذكر مرة في فرنسا كنت اود ان اسافر من مارسيليا إلى موناكو، اردت تذكرة، لا حاجز زجاجي ولا وجه الشقراء العبوس، فقط بساطة و لباقة و حنين و اشياء اخرى، وبسمة تكاد لا تفارق ملامحها “وي مونسيو ” . استلم التذكرة من تحت الزجاج كأنها تمرر رشوة، أخذها كأنها تهمة، ادخلها في جيبي بعناية لاني اعرف انها تهمة بالمعنى الاصح ، على كرسي الانتظار اجلس بجانب فتاتين، و انشغل لبعض الوقت بهاتفي، ارد على رسائل و استمع لموسيقى هادئة، و اتهيأ لرحلة ملامحها تظهر من الصوت الصادر “سادتي سيداتي القطار القادم من…و المتوجه الى … سيتأخر بعشرين دقيقة” تنزل علي كالصاعقة لاسافر بخيالي الى قطار مارسيليا، عندما وصلت الى باب عربة القطار، منعتني العاملة من الصعود، ليس اني فوته بالوقت و لكن دقيقة السلامة قبل الانطلاق إجبارية .

تمر عشرين دقيقة كانها اضيفت الى مخططاتي، وسُلبت من عمري. فعدت انشغل بهاتفي ،و اصداء الفتاة التي تتحدث مع صديقتها، بسخرية، و هزلية، و كلام خرج من معناه، و ادخل محتواه زنزانة العري، يتناقشان بمشاعر الاسى و الحسرة، خبر مقتل خمسين في انفجار ملهى امريكي للمثليين، تاتيني ذبذابات شعور الاسى. انا اتادول الموضوع بشعورين حزينين، للذي قتل و و هُلك، و للاخرين أُرسلو لمثواهم الاخير يبعثون على ما كانوا عليه، و الحقهم بقوم لوط ألهذا بعثنا لنقتل و نسفك الدماء ؟ ام شر انتشر في الارض بداعي الانانية كما دونها امانويل كانط.

زر الذهاب إلى الأعلى
مستجدات