تربية و تعليم

معلمون في القرى: رحلة بلا زاد و متاع في ظل غياب أبسط سبل العيش

ghfh

معلمون و معلمات بعد تخرجهم كأطر تربوية حاملين لرسالة سامية تروم تكوين و تثقيف الأجيال و نقل العلم و المعرفة لبناء مجتمع قوي متماسك أخلاقيا و دينيا و علميا وأداء رسالتهم السامية وجدوا أنفسهم أمام معيقات تحول دون تحقيق أهدافهم وتحبط من عزيمتهم أمام ظروف قاهرة و مزرية لواقع التمدرس في القرى ببلادنا .
المعلم كاد أن يكون رسولا غير أن المعلم في القرى النائية لا يحضى بما يليق بمقامه و يسهل عليه أداء مهمته التعليمية فهذا الأخير تقذف به وزارة التربية و التعليم دون تأهيله و تكوينه التكوين الكافي لمواجهة الوسط القروي أو شبه الصحراوي فيجد نفسه دون زاد ومتاع في ظل غياب ابسط الإمكانيات و الحقوق التي تحفظ كرامته كالحق في السكن اللائق و حمايته الجسدية و النفسية.
فالمعلم في البادية بعد أن قضى سنوات دراسته بالمدينة محاطا بكل المرافق الضرورية يجد نفسه فجأة في منطقة نائية و شبه معزولة دون كهرباء و ماء يصب من الصنابير و مسالك وعرة و افتقار المنطقة للمستوصفات والمحلات التجارية و كذا وسائل النقل و ظروف مناخية صعبة واقع يصعب التكيف معه لصعوبة سبل العيش و مشقته .
شهادات لمعلمين و معلمات شاءت الأقدار أن يتم تعيينهم في القرى و البوادي أو الخلاء كما وصفه العديد منهم تكشف عن واقع مرير يعيشونه يوميا دون أية حلول ترجى للتخفيف من عبئ المسؤولية الملقاة على عاتقهم .
حمزة معلم ابتدائي السن 27 سنة ادرس بأحد المداشر التي تبعد أميالا عن المدينة لطالما أحببت مهنة التدريس و كانت لدي طموحات و أحلام عديدة غير أن التدريس بالبادية كسر هذا الطموح و أدخلني في حالة إحباط مذ التحاقي بالوحدة المدرسية و أولى المشاكل التي صادفتني هو السكن فأهل المنطقة أناس محافظين و لديهم عاداتهم و تقاليدهم و تحفظهم من الغريب فقد رفضوا تأجير بيوتهم لي بحجة أنني غير متزوج مما حدا بي للإقامة في المدرسة القصديرية ذات النوافذ المحطمة ففي فصل الشتاء نضطر لتحمل قطرات المطر المتسربة من السقف المتهرئ و عدم توفر المياه الصالحة للشرب فاضطر لاستعمال ماء البئر و صعوبة التنقل لندرة وسائل النقل فهنالك حافلة واحدة تصل إلى المدشر كل يومين و ضعف شبكة الهاتف و اضطراري للتنقل بالدابة لأجل الوصول للسوق الأسبوعي الذي يبعد عن المدشر مسافة نصف يوم و لازلت اذكر جيدا ذاك اليوم الذي أضعت فيه الطريق فحل علي الظلام فأمضيت الليل فوق شجرة خوفا من الكلاب الضالة وضع يصعب من مهمتي و يجعلني حالة نفسية مزرية و لا أخفيكم رغبتي في الانتقال للمدينة .
احمد مدرس ابتدائي مذ تخرجي عينت بأحد الوحدات المتنقلة لفائدة الرحل في احد المناطق الشبه صحراوية الواقعة جنوب شرق الأطلس في إطار ما يعرف بالمدرسة الخيمية نظرا للنمط المعيشي السائد لدى السكان و الذي يعتمد على تربية الماشية في إطار الرحال المستمر بحثا عن المراعي فكثرة الترحال وصعوبة المناخ و ظروف العيش القاسية سببت لي أزمات نفسية فاضطررت لتقديم استقالتي و انا اليوم اعمل مدرسا بأحد المدارس الخصوصية بالمدينة ما فعلته ليس تملصا من المسؤولية و إنما ان ترسل لتلك المناطق دون أية مساعدات تذكر أمر صعب تحمله .
أمل مدرسة ابلغ من العمر 30 سنة ادرس بالقرية مذ 6 سنوات وفي الحديث عن ظروف العمل استطيع وصفها بالصعبة و المضنية فالمدرسة تفتقر لأبسط المرافق كالحمام مثلا مع العلم أنني أقيم رفقة رفيقاتي المعلمات في المدرسة إذ اتخذنا ركنا من القسم و جعلناه مضجعا لنا لا يفصل بيننا و بين التلاميذ سوى ستارة لأننا لم نجد مسكنا ياوينا و ما يزيد الطين بلة عدم إحاطة المدرسة بسور و باب تمنع الصعاليك من أبناء الدوار من التسكع بالقرب من المدرسة و التحرش بنا فغالبا ما نضطر لسماع عبارات نابية و تهديدات بالتعرض لنا مما يجعلنا في قلق و خوف دائمين وأيضا نعاني من مشكل الأقسام المشتركة التي تغطي كل مرافق التعليم القروي و التي تحول دون الوصول إلى النتائج المطلوبة و المتمثلة في تحسين المستوى المعرفي للتلاميذ نظرا للفوارق السيكولوجية و المعرفية و الزمنية و تعقيدات و تنوع البرامج و المقررات المدرسية فأجد نفسي أمام معترك يضم جبهات مختلفة وضع يصعب فيه إيصال المعلومة بالشكل المطلوب أمام قسم يضم مستويات مختلفة .

إن واقع التعليم في بلادنا يعري عن واقع مرير بعيد ا عن تحقيق مبدأ الحق في التمدرس كما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية و يكشف عن الفوارق الطبقية بين المدن و القرى و هشاشة بنياتها التحتية و افتقارها للمرافق الضرورية تحديات تواجه التمدرس بالعالم القروي تحول دون محاربة الهذر المدرسي و الوصول للنتائج المطلوبة وضع يدق ناقوس الخطر أمام فشل الإدارة الوصية في تقديم حلول ناجعة لسؤال التدريس بالقرى المغربية .

شيماء الأمغاري “نهى بريس”

 

زر الذهاب إلى الأعلى
مستجدات