تربية و تعليم

من الجامع إلى الجامعة…

jami3a

بقلم: الأستاذ محمد منصوري

هل تساءلنا يوما عن مفهوم “التعليم” ببرامجه ومؤسساته كيف ظهر في حياتنا وتبلور حتى أصبح أساس الحضارة الإنسانية ومصدر المعرفة والنبوغ والارتقاء؟ هل كان هناك دائما تعليم ابتدائي وثانوي وتعليم عالي؟ ثم منذ متى صار بديهيا أن تكون لدينا وزارة للتربية أو وزارة للتعليم؟ ومنذ متى أصبح التعليم مهنة تمتهن وعلما يدرس؟ وفي عالمنا المعاصر من هم “الطَّلَبَةُ” يا ترى ومن هم “العُلَمَاءُ”؟ ما دام هناك في مجتمعنا من نستمر في وصفهم ب “الطّْلْبَه” ومنهم يشغلون رتبة “العُلَمَا”. أسئلة عديدة وجدتني أطرحها وملامح الابتسامة ترتسم على وجهي لطرافة الموضوع. لكن سرعان ما أحسست بالانزعاج لأن موضوع التعليم لا يمكن أن يكون مجالا للدعابة،فهو سلاحنا الوحيد لمواجهة الجهل والتعصب. وعلينا جميعا دون استثناء أن نأخذ الموضوع على محمل الجد دون تكاسل أو تراخ أو تمسك بالرأي الواحد او انفراد بصنع القرار أو تجاهل لإحدى مكونات مجتمعنا الثقافية أوالأثنية أوالدينية، هذا إذا أردنا البقاء والاستمرار وتحقيق الرقي والازدهار.
في عالم كالذي صرنا نعيش فيه يعد التعليم هو الأساس لبنية المجتمع ترتكز عليه كل مناحي الحياة. فهو يهبنا التربية على القيم ويساعدنا على فهم الوجود بشقيه المادي والمعنوي وفي نفس الوقت يمدنا بالمعرفة الأساسية لبناء الشخصية وتطوير الفهم والإدراك، ومن ثم المعرفة التخصصية لولوج ميادين متنوعة من العمل والإبداع. لم يكن الأمر كذلك في البدايات الأولى للبشرية أو حتى في الماضي القريب من تاريخنا المشترك. فقد تطور العالم ببطء شديد لسنين وقرون عديدة، ولم يكن هناك حاجة للتعليم الأساسي أو المتخصص كي نرعى الماشية ونزرع الأرض ونتقن الحرف والصنائع اليدوية ونقايض مواردنا فيما أصبحنا نطلق عليه اليوم”التجارة العالمية”. واقتصرت الفنون على الرقص والغناء وصنع التماثيل والرسم على الجدران، كما اقتصرت الرياضة والألعاب على فنون الحرب ومستلزمات القتال من أجل الدفاع والغزو في حالة الحرب ومنأجل الترفيه والتسلية في حالة السلم. ومع ظهور الأديان، القديمة منها والحديثة، ظهر رجل الدين كحكيم عارف بشؤون الحياة والموت. واتخذ هذا المصدر الجديد للمعرفة والحكمة، نظرا لأهمية الأسئلة الوجودية التي يجيب عنها ـ من نحن ومن أين أتينا وإلى أين نذهب بعد موتناـ اتخذ له شكلا منظما وبنيانا رمزيا تمثل في المعبد والدير والكنيسة والجامع. وسرعان ما أصبح هذا الصرح التعبدي مؤسسة اجتماعية ومنارة للعلم والمعرفة. كما أصبح رجل الدين يمثل “العَالِمَ” في مجتمع يضم عموما المزارعين والحرفيين والتجار والجنود المقاتلين.
في البداية عرفت البشرية مدارس للعلوم البسيطة في بلاد الاغريق وبلاد فارس ومصر القديمة والهند والصين، لكن أولى جامعات العالم بالمفهوم الحديث هي جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية في القرن التاسع للميلادوجامعة بولونيا بإيطاليا في القرن العاشر للميلاد بالنسبة للحضارة المسيحية الكاثوليكية. وقد تلتها في البلاد الإسلامية كل من جامعة الأزهر بمصر وجامعة الزيتونة بتونس وكانت هذه الجوامع/الجامعات أول تحول للجامع التقليدي في الثقافة الإسلامية إلى منارة علمية حقيقية تعنى بتحصيل العلوم المختلفة مثل اعتنائها بالشؤون الدينية. وبالنسبة للبلدان المسيحية في أوروبا الكاثوليكية والبروتستانتية انضافت جامعات أخرى كجامعة باريس وجامعة مون بولييه بفرنسا وجامعة أكسفورد وكمبريدج بإنجلترا وجامعة سالامانكا بإسبانيا. شغلنسبةكبيرةمنرجالالدينوالرهبانالمسيحيينمناصبكأساتذةفيهذهالجامعات،وكانيتمالتدريسفيهاكافةالمواضيعكاللاهوتوالفلسفةوالقانونوالطبوالعلومالطبيعية. فإلى غاية القرن السادس والسابع عشر في أوروبا المسيحية وبداية عصر النهضة، وإلى غاية الحقبة الإمبريالية وبداية الحركات الاستقلالية في البلدان العربية الإسلامية، كان المعلم/الأستاذ رجل دين وكان العالم رجل دين ودنيا وكان الطالب أيضا طالب دين قبل أن يكون طالب دنيا. فماذا تغير إذن؟
في الضفة الشمالية للمتوسط تم فصل الدين عن الدولة ومؤسساتها بما فيها المؤسسة التشريعية والتعليمية، فاهتم كل بشأنه وصار “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”. النتيجة هي تحرر العلوم من كل المعتقدات البالية التي كانت تكبح مسيرة التطور والابتكار باسم الله، ولكن في نفس الوقت كان هناكافتقار للجانب الروحاني نظرا لإهمال التربية الروحانية والأخلاقية في العمليات التعليمية. والنتيجة الإجمالية مجتمع متقدم ومزدهر علميا وماديا ولكن تطغى عليه المادية البحتة ومظاهر التنافس والغلبة والإقصاء والسيطرة والتحكم في غياب تام للجانب الروحاني الذي يهب التوازن لحياة الإنسان ويحضه على العدل والمساواة والحد من تراكم الثروات في مجتمعات بعينها على حساب أخرى لم ينلها من الطيب نصيب. وفي الضفة الجنوبية للمتوسط استمر الدين في لعب دور مرجعي في التشريع والتعليم وحافظ قدر الإمكان على القيم والأخلاق لكنه في المقابل لم يستطع مواكبة الثورة الحاصلة في العلوم والفنون والآداب، وأصبح المجتمععاجزا ومسلوب الإرادة أمام التغير السريع والمستمر في العادات والسلوكيات وفي الاحتياجات والأولويات تماما مثل عجزه أمام الكم الهائل والمتواصل من الاكتشافات والاختراعات والتقنيات.
نحن اليوم نريد أن يكون لنا في “الطيب نصيب” ونصطف بدورنا في قائمة الدول المتقدمة.لذلك كان لابد من أن تصبح المرأة شريكا للرجل في كل المجالات وهذا جعلنا نغير في القوانين ولا زلنا نفعل حتى تستطيع المرأة أن تنال حقوقها كاملة وتلج ميادين السياسة والمال والأعمال والعلوم والفنون والآداب. لكن في نفس الوقت لا زلنا نعلم ابناءنا في المدرسة بشكل مباشر أو غير مباشر أنها لن تحتل ابدا نفس مكانة الرجل.والموضوع هنا أكبر من مجرد الحديث عن التعدد والإرث ودم الحيض ودم النفاس، ولا مجال لتناوله في هذه السطور القليلة. ثم كيف لنا أن نمنع التطرف ونقضي على الإرهاب ونحن ندرس لأطفالنا وشبابنا بكل افتخار ما قام به السلف الصالح من فتوحات لبلاد الفرنجة الكفار وكيف امتدت الخلافة الإسلامية من الشرق إلى الغرب وكانت البلاد التي لا تغيب عنها الشمس، ثم بعد ذلك ننعته بالإرهابي لأنه أراد أن يعيد لنا مجد الأجداد. الأمثلة كثيرة والحل واحد: لنربي أبنائنا على الأخلاق وعلى قيم التعايش والمساواة واحترام الآخر المختلف عنا لونا وجنسا ودينا والتعاون معه لبناء عالم أفضل، ولنحرر عقولهم من الخرافة والأوهام ليهتمواأكثر بالعلوم والفنونوالتقنيات. هذه محطة مهمة من تاريخنا المعاصر نسعى فيهالإصلاح منظومتنا التعليمية، مدركين ما فاتنا في الأيام الخالية ومستفيدين من تجارب الدول التي سبقتنا إلى درب الإصلاح وسارت على طريق الخدمة، خدمة مواطنيها وخدمة العالم الإنساني.

زر الذهاب إلى الأعلى
مستجدات